يوسف حسن نوفل

9

من المكتبة القرآنية

لقد فوضه أبو بكر - رضى اللّه عنه - في اختيار من يعاونه ويسأله ، وأودع تحت يديه ما تركه النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - عند زوجته السيدة عائشة - رضى اللّه عنها - وسأله أن يسمع جيدا لقراءات خمس من الصحابة غيره وغير عمر - رضى اللّه عنه - . ومضى الصحابي زيد بن ثابت في منهج علمي دقيق في البحث والاستقصاء والإثبات والمراجعة ، لجمع ما عند الصحابة من قرآن مكتوب على العسب واللخاف والرقاع ، وجلس يدون ويراجع ويقرأ ما دون على الرجال ، ويسمع ويستحفظ صدور المؤمنين ويتحرى في كل لفظ وكل آية قبل أن يثبتها ، ويعود إلى ما كان تحت يده مما كتب في زمان النبي ، ولا يترك آية حتى يتوثقها ويدقق أمرها ولفظها وضبطها على كثرة من الصحابة ، ومضى في منهجه هذا يلتزم التحري والمتابعة والبحث والمراجعة والسماع للحفاظ حتى أتم جمع المصحف . وإنما راعى ذلك كله مبالغة في الضبط وزيادة في الاحتياط حتى تكون الكتابة معاضدة للحفاظ ومؤازرة لهم ، وهكذا حتى تم جمع المصحف في صحائف واحدة في قطعها ونوعها ونقشها وضبطها لأول مرة في عهد أبى بكر الصديق - رضى اللّه عنه - بعد أن كان متفرّقا في زمن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، وما ثبت في العرضة الأخيرة في موضعه ومكانه وترتيبه ، وأنه لم تنسخ تلاوته . وكان لا يقبل شيئا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان أنه كتب أمام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، وقبل ما في آخر سورة ( براءة ) مع أنه لم يجدها إلا عند أبي خزيمة لأن الجميع كانوا حافظين لها . جمع القرآن وكتب على هذا النحو وبجهد زيد بن ثابت ، وبإشراف أبى بكر وعمر - رضى اللّه عنهما - ، فقال علي بن أبي طالب : « أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر - رحمة اللّه على أبى بكر - هو أول من صحف كتاب اللّه تعالى وجمعه » . أخرجه ابن ماجة ، وابن أبي داود في مسنده . قال الإمام أبو عبد اللّه المحاسبي : « كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف وغيرها ، فأمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان